الأمير الحسين بن بدر الدين

323

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « القرآن موجود في ثلاثة مواضع : في الصحف مكتوب ، وعلى الألسن متلو ، وفي القلوب محفوظ » . ويطابق هذا الخبر قول اللّه تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [ العنكبوت : 48 ] . ولا يقدح في ذلك أن يقال : إذا كان كلاما وجب عدمه في الوقت الثاني ، وإذا قلتم بأنه باق كان متنقلا ، وذلك مما لا يصح في الكلام ؛ لأنا نقول : إن الدلالة قد دلت على أنه باق فيجب الانقياد لها ، والقارئ له يشتمل ما يلفظ به على الحكاية والمحكي ، والتلاوة والمتلو ، والقراءة والمقروء ؛ فالمقروء ، والمتلوّ والمحكي فعل اللّه تعالى عرفا وشرعا . والتلاوة والحكاية والقراءة فعل القارئ والتالي والحاكي ؛ ولهذا يثاب على ذلك إذا فعله مع الطهارة من الجنابة ، ويعاقب عليه إذا فعله مع فقدها . وأما الانتقال فإن الأعراض تكون في حكم المنتقلة بانتقال محالها ؛ لأن الزعفران والمسك وغيرهما إذا نقل ذلك من بلد إلى بلد فإنّ ريحه في حكم المنتقل بانتقال محله وهو الزعفران والمسك ونحوهما ، فكذلك نزول القرآن وانتقاله من بلدة إلى أخرى « 1 » . وأمّا أنه مخلوق ؛ فمعنى وصفنا له بأنه مخلوق أنه مصوّر ، مرتّب ، مقدّر ، منزّل ، على مقدار معلوم ، مطابق للمصلحة ؛ فهذا هو معنى قولنا : إنه مخلوق ، وقد ورد وصف ما هذه حاله بأنه مخلوق لغة وشرعا : أما اللغة فقال زهير في هرم بن سنان الغطفاني « 2 » :

--> ( 1 ) في ( ب ) : من بلد إلى آخر . ( 2 ) من أجواد العرب في الجاهلية يضرب به المثل ، وهو ممدوح زهير . توفي نحو 15 ق . ه . ينظر الأعلام 8 / 82 .